الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
443
تفسير روح البيان
عَلِيمٌ يعلم مضمون ضمائركم ومكنون سرائركم فيجازيكم على حسن معاملتكم بقدر خلوصكم وصفاء نياتكم وصدق طوياتكم فطوبى لمن صفى قلبه عن سفساف الأخلاق وعزم إلى عالم السر والإطلاق وأحسن المعاملة مع اللّه في جميع الحالات ووصل إلى الدرجات العاليات حقائق سراييست آراسته * هوا وهوس گرد برخاسته نه بيني كه جايى كه برخاست گرد * نه بيند نظر گر چه بيناست مرد يعنى ان عالم الغيب كالبيت المزين والهوى كالنقع المثار فما دام لم يترك المرء هواه لا يرى ما يهواه فان الحجاب إذا توسط بين الرائي والمرئي يمنع من الرؤية فارفع الموانع من البين وتشرف بوصول العين وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ اى مسافرين اى متوجهين اليه ومقبلين وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً في المداينة بان لا يحسن الكتابة أو لا توجد الصحيفة أو الدواة والقلم ولم يتعرض لحال الشاهد لما انه في حكم الكاتب توثقا واعوازا فَرِهانٌ جمع رهن اى فالتوثق رهن مَقْبُوضَةٌ اى مسلمة إلى المرتهن ولا بد من القبض حتى لو رهن ولم يسلم لا يجبر الراهن على التسليم وانما شرط السفر في الارتهان مع أن الارتهان لا يختص به سفر دون حضر لان السفر لما كان مظنة عدم الكتب باعواز الكاتب والشاهد امر بالارتهان ليقوم مقامهما تأكيدا وتوثيقا لحفظ المال فالكلام خرج على الأعم الأغلب لا على سبيل الشرط وقدر رهن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم درعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعا من شعير واخذه لأهله فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً اى بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به واستغنى بامانته عن الارتهان فلم يطلب منه الرهن فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ وهو المديون والائتمان الوثوق بأمانة الرجل وانما عبر عنه بذلك العنوان لتعينه طريقا للاعلام ولحمله على الأداء أَمانَتَهُ اى فليقض المطلوب الأمين ما في ذمته من الدين من غير رهن منه وسمى الدين أمانة لتعلقه بالذمة كتعلق الأمانة وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ في رعاية حقوق الأمانة وأداء الدين من غير مطل وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ أيها الشهود إذا دعيتم إلى الحاكم لأدائها على وجهها وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ فاعل آثم كأنه قيل فإنه يأثم قلبه * فان قلت هلا اقتصر على قوله فإنه آثم وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده * قلت كتمان الشهادة هو ان يضمرها ولا يتكلم بها فلما كان الإثم مقترفا بالقلب أسند اليه لان اسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ الأتراك تقول إذا أردت التوكيد هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته اذني ومما عرفه قلبي ولان القلب هو رأس الأعضاء والمضغة التي ان صلحت صلح الجسد كله وان فسدت فسد الجسد كله فكأنه قيل فقد تمكن الإثم في أصل نفسه وملك اشرف مكان منه ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط وليعلم ان القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه واللسان ترجمان عنه ولان افعال القلوب أعظم من افعال سائر الجوارح وهي لها كالأصول التي تتشعب منها ألا ترى ان أصل الحسنات والسيئات الايمان والكفر وهما من افعال القلوب فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما أكبر الكبائر الإشراك باللّه لقوله تعالى فقد حرم اللّه عليه